الحلبي
259
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي البخاري عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال حين وقع بينه وبين ابن الزبير : أي وأمره بأن يخرج إلى الطائف ويهدده على ما تقدم ، قلت أبوه الزبير ، وأمه أسماء ، وخالته عائشة ، وجده أبو بكر ، وجدّته صفية . وفي رواية عنه أنه قال : أما أبوه فحواريّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد الزبير ، وأما جده فصاحب الغار يريد أبا بكر ، وأما أمه فذات النطاقين يريد أسماء ، وأما خالته فأم المؤمنين يريد عائشة ، وأما عمته فزوج النبي صلى اللّه عليه وسلم يريد خديجة ، وأما عمة النبي صلى اللّه عليه وسلم فجدته يريد صفية ، ثم عفيف في الإسلام ، وقارئ للقرآن . ولما قتل عبد اللّه بن الزبير ارتجت مكة بالبكاء ، فجمع الحجاج الناس وخطبهم وقال في خطبته : ألا إن ابن الزبير كان من أخيار هذه الأمة إلا أنه نازع الحق أهله ، إن اللّه خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسكنه جنته ، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته وآدم أكرم على اللّه من ابن الزبير ، والجنة أعظم حرمة من الكعبة اذكروا اللّه يذكركم . ومن أعلام نبوّته صلى اللّه عليه وسلم ما روي « أن عبد اللّه بن الزبير لما ولد نظر إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : هو هو ، فلما سمعت بذلك أمه أمسكت عن إرضاعه ، فقال لها النبي صلى اللّه عليه وسلم أرضعيه ولو بماء عينيك ، كبش بين ذئاب وذئاب عليها ثياب ، ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه » . وفي حياة الحيوان : العرب إذا أرادوا مدح الإنسان قالوا كبش ، وإذا أرادوا ذمه قالوا تيس ، ومن ثم قال صلى اللّه عليه وسلم في المحلل : « التيس المستعار » . ويقال إن الحجاج بعد قتل ابن الزبير ذهب إلى المدينة وعلى وجهه لثام ، فرأى شيخا خارجا من المدينة فسأله عن حال أهل المدينة ، فقال شرّ حال ، قتل ابن حواري رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : من قتله ؟ قال : الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن اللّه ورسله ، من قليل المراقبة للّه ، فغضب الحجاج غضبا شديدا ، ثم قال : أيها الشيخ أتعرف الحجاج إذا رأيته ؟ قال نعم ولا عرّفه اللّه خيرا ، ولا وقاه ضيرا ، فكشف الحجاج اللثام عن وجهه وقال : ستعلم الآن إذا سال دمك الساعة ، فلما تحقق الشيخ أنه الحجاج قال : إن هذا لهو العجب يا حجاج ، أنا فلان أصرع من الجنون في كل يوم خمس مرات ، فقال الحجاج : اذهب لا شفى اللّه الأبعد من جنونه ولا عافاه ، وخلوص هذا من يد الحجاج من العجب ، لأن إقدامه على القتل ومبادرته إليه أمر لم ينقل مثله عن أحد . وكان يخبر عن نفسه ويقول : إن أكبر لذاته سفك الدماء . قال بعضهم : والأصل في ذلك أنه لما ولد لم يقبل ثديا فتصور لهم إبليس في صورة الحرث بن كلدة طبيب العرب ، وقال : اذبحوا له تيسا أسود ، وألعقوه من دمه ، واطلوا به